العدد 467 - 1997/10 - آداب - وليد صالح الخليفة حب وجنون وموت من أوجه الحب في التراث العربي
حب وجنون وموت من أوجه الحب في التراث العربي

منذ البداية ارتبط تفسير أشكال الحب بالتوجهات الفلسفية والآراء التي كانت سائدة حوله في مختلف الحضارات. فكان لدى اليونانيين القدماء نمط من الحب يعرفونه باسم (إيروس)، وهو الحب الجسدي الخليع.

ويفسر أفلاطون هذه العاطفة من وجهة نظر فلسفية وينقلها إلى الجانب الروحي. أما سقراط فإنه يرى الحب على أنه جني عظيم أو روح كبير يحتل منزلة وسطى بين الآلهة والبشر، فهو ليس خالدا ولا فانيا، وهو ليس حكيما ولا جاهلا.

والنمط الآخر من الحب هو الحب الرومانطيقي الخالص المقترح بالآلام والحزن واليأس. ويعلم المحبون في مثل هذا الحب بأن عاطفتهم محرمة وليس لها أي مخرج حتى في الزواج، وليس هناك غير اليأس والقنوط. وبما أن الزوجة في ذلك المجتمع لم تكن سوى سلعة وكانت تعامل وكأنها أية بضاعة، فإن ذلك النمط من الحب لم يكن موجودا في الواقع سوى في الخيال أو في التصور.

والشعر التروبادوري صورة واضحة لهذا الشكل من العاطفة التي كانت منتشرة في الغرب بالعصر الوسيط. وعرف الغرب أيضا الحب العذري الذي تطور ضمن الشعر الغنائي والشعر التروبادوري، وكان في بعض الأحيان حبا مفتعلا لم يكن الهدف منه سوى إرضاء الحاجة الأدبية المعروفة.

وفي بعض الملاحظات التي يوردها الفيلسوف والكاتب الإسباني خوسي أورتيغا إي غاسيت (1883 - 1955) يقول : إن عنصر البعد في الحب العذري شيء جوهري. إنه حب بصري أو حب شوق وحنين. والبعد فيه بعد في المكان والزمان. إنه حب يوفر المحب جميع مستلزماته ويعيش من قوة اندفاعه، وهو ليس حتى بحاجة إلى معرفة الحبيبة: كيمياؤه مخي نوعا ما، إذ إنه ينفجر بمجرد سماع أي ثناء من امرأة.

وقد تطور تفسير الحب هذا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر بفضل آراء ابن سينا وقسطنطين الإفريقي، وهذا الأخير أدخل الطب العربي إلى الغرب بترجمته إلى اللاتينية الكثير من المؤلفات الطبية العربية. وكان قد ولد في تونس (1010 - 1087م) وتنصر ثم هرب إلى إيطاليا حيث مات راهبا بمدينة كاسينو. وحسب رأي الباحث والأستاذ الإسباني خوسي لويس كانيت فإن مؤلفي تلك الفترة ألقوا الضوء على عملية تفاعل تجري في الدماغ، تحدث لدى المصابين بمرض الحب. ويقول في هذا الصدد: اعتبارا من تلك اللحظة أخذوا يطلقون على تلك الكآبة اسم هيريوس كما صوفها قسطنطين الإفريقي عندما ذكر بأن ذلك الشعور يبدأ في الانتشار في الدماغ وينشأ من رغبة غير منتظمة أو حادة.

وعدا الإيروس أو العشق وكذا العاطفة الآحادية الجانب، فإن القدماء كانوا بعرفون نمطا آخر من الحب وهو (الأجابيه) الذي يقوم على علاقة عاطفية متبادلة. وتتفق مع مفهوم الحب في الدين المسيحي الذي يحرم العشق أو العاطفة المبالغ بها، لأنه يعتبرها صفة أنانية تتجاوز الحدود ويصعب التحكم فيها وتقوم على فلسفة السعادة الخاصة. بينما يكون (الأجابيه) حب إيثار وتضحية يقوم على العقل والحكمة والاستقرار العاطفي والسعادة المشتركة، وبالتالي فإن الخالق يكون مركزه ونواته ومحوره وليس الحبيبة.

ومن هذا النمط من الحب برزت تلك العاطفة التي تحلى بها القديسون والصوفيون الذين وجهوا مشاعر حبهم للخالق وحده لكونه الهدف الأعلى في نظرهم، ولأنه وحده يمثل فكرة الخير. وحب الآخرين ليس سوى وسيلة إلى الوصول إلى الخالق.

وعرف اليونانيون القدماء نوعا آخر من الحب أطلقوا عليه (فيليا) أو عاطفة الصداقة. إنها عاطفة متبادلة وقائمة على المساواة وتتمثل في الحب الإنساني الخالص الذي يجمع بين شخصين حرين.

وقد خصص العشرات من المؤلفين العرب في القرون الوسطى رسائل وكتبا كاملة لموضوع الحب والعشق فعالجوه من وجهات نظر مختلفة، انطلاقا من تكوينهم الثقافي واعتقاداتهم. وكان الجاحظ (776 - 869م) واحدا من أهم الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع في (كتاب النساء) و(رسالة القيان). وقد حلل الجاحظ مفهوم الحب والعشق من وجهة نظر عقلانية وعارض فكرة المتعة واللذة، وتوجه إلى العارفين بدعوة يطلب فيها أين يقوموا بمواجهة هذا المرض الذي يهدد النفس الإنسانية ويستعبد الرجال.

وقد أدان الكثير من المشرعين والفلاسفة والكتاب دور القينة واتهموها بإثارة ونشر الفساد في المجتمعات العربية. وكانت القيان، كما هو معلوم، يمتزن باللباقة والمهارة في جذب قلوب الرجال، وكانت لهن معرفة واطلاع بالغناء وإنشاد الشعر والرقص والطرب. ولم تتهم بإشاعة الفساد بين الرجال فحسب، بل إنها اعتبرت أيضا سببا في تخنث بعضهم، وهو أمر كان يواجه معارضة ورفضا شديدين. وكان وراء كل هذه المواقف شيء مهم وهو خوفهم من أن يصبح مصير الدولة الاجتماعي والسياسي في أيدي رجال جعلوا إرادتهم وسلموا مصيرهم بيد النساء. (انظر ابن شيخ، مجلة مواقف ـ العدد 46 ص33ـ34).

هذه النظرة العقلانية تكررت لدى الكثير من الكتاب العرب في مختلف العصور مثل السراج (ت1106) في كتابه (مصارع العشاق)، وابن قيم الجوزية (ت1350) في روضة المحبين ونزهة المشتاقين، أو الفيلسوف المشهور الغزالي (ت1111) الذي درس في مؤلفه آداب النكاح وكسر الشهوتين عاطفة الحب والعشق، منتقدا إياها ومعتبرا لها خروجا عن طريق الصواب.وقد قال في صدد إمكان تحول الشهوة إلى عشق فذل فعبودية: قد تنتهي هذه الشهوة ببعض الضلال إلى العشق، وهو غاية الجهل بما وضع له الوقاع وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم، لأن المتعشق ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع، وهي أقبح الشهوات، وأجدرها أن يستحيا منه، حتى أعتقد أن الشهوة لا تنقضي إلا من محل واحد. والبهيمة تقضي الشهوة أين اتفق، فتكتفي به، وهذا لا يكتفي إلا بشخص واحد معين، حتى يزداد به ذلا إلى ذل وعبودية إلى عبودية. (الغزالي، 1990: 114).

طروحات فلسفية طبية

في السطور التالية نرصد إشارات لمؤلفات بعض الكتاب العرب الذين برزوا في ميدان الفلسفة أو الطب أو مارسوا الاثنين معا، وسنتعرض لآرائهم بخصوص الحب كظاهرة اجتماعية أو فردية تستحق الاهتمام.

1 ـ ابن حزم وطوق الحمامة: كتب ابن حزم (994 ـ 1063م) كتابه في الحب (طوق الحمامة) بمدينة شاطبة الاسبانية سنة 1022، والذي تطرق فيه إلى جملة من الأمور المتعلقة بهذه العاطفة وعرض نظريته حول مفهومه وتأثيره وأعراضه لدى المحبين. إن ابن حزم هو واحد من كبار المطلعين على الفكر العربي والعارفين بفلسفته وأدبه اللذين عرفا عصرهما الذهبي في منتصف القرن الثامن في المشرق وعلى الخصوص في عاصمته العلمية والثقافية بغداد.

وحسب رأي الباحثة الفرنسية (راشيل أريي) فإن ابن حزم في طوق الحمامة قد طور نظرية حول الحب الموجه توجيها روحيا والذي استلهمه من كتاب عالم اللاهوت البغدادي ابن داود المعنون (كتاب الزهرة)، والذي يتناول فيه مؤلفه في مائة فصل تصرفات وسلوكية بني عذرة في الحب، والقائمة على أساس نوع من المثالية الإيروتيكية (Arie Rachel, 1993:66)

2 ـ الرازي: أبوبكر محمد بن زكريا الرازي (ت329م في بغداد)، هو واحد من أكبر الأطباء العرب، وكتابه الأساسي هو (الحاوي) الذي يعتبر بمثابة موسوعة طبية. وقد وصف ولأول مرة مجموعة من الأمراض مثل الجدري والحصبة والحمى القرمزية. وقد عُرف بألقاب عديدة ومنها (جالينوس العرب) و(طبيب المسلمين).

والرازي كغيره من الأطباء العرب حلل الكثير من العلل والأمراض انطلاقا من الاختلال الذي قد يحصل في تلك الأخلاط أو بسبب احتراق بعضها.

ومن الملاحظ أن الرازي كغيره من مؤلفي عصره يعتبر العشق بلية وينصح الابتعاد عنه وتجنبه. والعشق في رأيه هو حظ المخنثين وأشباه الرجال والذين ليست لديهم أية مشاغل ولا يتبعون سوى شهواتهم التي يرغبون في إشباعها بأي ثمن. وعن هذا يقول: (وأما المخنثون من الرجال والغزلون والفراغ والمترفون والمؤثرون للشهوات، الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلا إصابتها، يرون فوتها فوتا وأسفا، ما لم يقدروا عليه منها حسرة وشقاء، فلا يكادون يتخلصون من هذه البلية لاسيما إن أكثروا النظر في قصص العشاق ورواية الرقيق الغزل من العشر، وسماع الشجي من الألحان والغناء.

3 ـ محمد بن يوسف العامري النيسابوري: هو مؤلف كتاب (السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية)، عاش المولف في القرن العاشر الميلادي وكانت وفاته سنة 992م. يتناول في كتابه السلوك الإنساني، معلقا نظره أبدا في هدف السعادة. وفي الفصول الخاصة بموضوع الحب يشير إلى وجهات نظر فلسفية سابقة على زمنه، ثم يعلق على تلك الآراء.

إن عاطفة الحب فيس نظر النيسابوري هي (انفعال بلذة المحبوب ونزاع إلى أن يتصل انفعاله وتخوف من القطع وشغف بالمحبوب حتى لا تريد بدلا عنه). (العامري، 1957: 135).

وفي موضع آخر من الكتاب يضيف موضحا هذه الفكرة فيقول: (قال بعضهم المحبة إرادة قال والإرادة والاختيار واحد. وقال بعضهم المحبة إنما هي ميلان القلب إلى الشيء واستخفافه له وابتهاجه. قال أبو الحسن المحبة ليست بإرادة ولا باختيار، فإنا قد نحب ما ليس يمكن فيه أن نريده وأن نختاره كمحبتنا للموتى الذين قد بادوا وذهبوا. وأقول ميلان القلب إلى الشيىء إنما يكون من أجل المحبة لا أن يكون هو المحبة. (العامري، 1957: 135).

4 ـ ابن سينا: هذا الفيلسوف الطبيب (980 ـ 1037) درس الفلسفة اليونانية وخاصة من خلال مؤلفات أرسطو وأفلاطون. وكان ذا ميول صوفية عميقة والتي بدت بوضوح في كتابه الحكمة المشرقية. ومن أهم كتبه القانون في الطب والشفاء والنجاة.

يتعرض ابن سينا في المقالة الرابعة من الفن الأول من كتاب القانون إلى جملة من الأمراض مثل اختلاط الذهن والهذيان والرعونة والحمق وفساد الذكر وفساد التخيل والمانيا وداء الكلب والمالنخوليا والقطرب. ويجمع إلى هذه الأمراض كلها فصلا في العشق، إذ إنه يعده في جملة تلك الأمراض.

ويحلل ابن سينا العشق وأعراضه وما يقاسيه العاشق ثم علاج هذا المرض، ويعرف المؤلف العشق بقوله: هذا مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا يكون الإنسان قد جلبه إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي له ثم أعانته على ذلك شهوته أو لم تعن. (ابن سينا، بلا تاريخ: 71 ـ 72).

وكما نرى فإنه يقارن العشق بمرض الكآبة القوية والحادة التي تتسلط على بعض الأشخاص في ظروف معينة.

أما أعراض هذا المرض فهي حسب قوله: (علامته غور العين ويبسها وعدم الدمع إلا عند البكاء وحركة متصلة للجفن ضحاكة كأنه ينظر إلى شيء لذيذ أو يسمع خبرا سارا أو يمزح ويكون نفسه كثير الانقطاع والاسترداد فيكون كثير الصعداء ويتغير حاله إلى فرح وضحك أو إلى غم وبكاء عند سماع الغزل ولاسيما عند ذكر الهجر والنوى. (ابن سينا، 72).

وينسب ابن سينا في رسالته هذه إلى النفس الدونية دور الاشتراك مع النفس العاقلة، بحيث أن حب الجمال الظاهري والحب الجنسي يكونان سندا للتقرب مما هو إلهي، وعليه فإن النفس العاقلة تكسب وتقوى باتحادها مع القيمة الإلهية. وتحليل ابن سينا هذا ينطلق كما نرى من نظريته العامة حول النفس وتركيب أجزائها، ومن خلال ذلك يفسر لنا ظاهرة الحب، محاولا أن يعثر على موضع ضمن هذه النظرية.

5 ـ ابن عربي: ابن عربي المولود بمرسية سنة 1155 والمتوفي بسوريا عام 1240، هو واحد من كبار الشعراء الصوفيين العرب والفلاسفة المتفردين. كتب ابن عربي معظم كتبه ليركز على فكرة جوهرية وهي وحدة الوجود، وعلى الرغم من أن هذه الفكرة لم تكن من إبداعه لأنها عرفت قبله وذكره صوفيون عرب سابقون له. غير أن الحقيقة هي أن ابن عربي اعتقد بها وحللها بالتفصيل ووضعها في إطار جديد محاولا الجمع بين القوة العليا (الله) والعالم.

ويتحدث ابن عربي بالتفصيل عن العشق في كتابه (الفتوحات المكية) ويبين أعراضه ومنها عدم القدرة على مصالحة النوم ولا التقرب من الطعام. ولا يدري العاشق، في رأي ابن عربي، لماذا وبسبب من يجري كل هذا للعاشق، لأن صورة المعشوق لاتبدو له واضحة، وتلك هي أكبر لذة يشعر بها العاشق حينذاك. ويبدو أن ابن عربي قد خبر هذا اللون من الحب. ومن حق القارىء أن يتصور بأن ابن عربي يتكلم في هذه النقطة عن الحب الإلهي، مع أن انطباقه على الحب الإنساني جائز أيضا لو أننا انطلقنا من نظريته في وحدة الوجود. وهو يطلق على هذه العاطفة كلمة (حب الحب)، لأن العاشق ينغمس في حبه إلى درجة أنه ينسى شخص المحبوب ويصبح الحب هدفه الأساسي. وهنا ينقل لنا مثلا ورد ذكره في التراث العربي بخصوص الشاعر قيس الذي عشق ليلى وكان يلهج باسمها ولا يمل من تكراره، فتظهر ليلى أمامه لتلبي طلبه، غير أنه يأمرها بالابتعاد عنه لأنه مشغول بتلبية نداء الحب وليس لديه وقت يخصصه لها.